هلال بن محسن الصابي
43
الوزراء
وكانت سعادة « 1 » حامد قد انقضت ، ومدته قد انقرضت ، فدعاه المقدور إلى قصد دار السلطان في زي الرّهبان ، واستأذن على نصر الحاجب ، فلما دخل ورآه قال له : إلى أين جئت ؟ قال : جئت بكتابك . قال : إلى هاهنا كاتبتك بالمجىء ؟ ولم يقم له ولا وفّاه حقه ؛ واعتذر إليه بخوفه من سخط الخليفة متى تجاوز به ما وقف عنده . وراسل نصر مفلحا الأسود بالخروج إليه ، لأن المقتدر باللّه كان عند الحرم ، فخرج إليه وقال له : قد ورد حامد على ما تراه من هذه الصورة ، وهو اليوم في موضع رحمة ، وما أولاك باستعمال الجميل معه . وقال حامد « 2 » لمفلح : تقول لأمير المؤمنين أنا أرضى بأن أعتقل في دارك كما اعتقل علىّ بن عيسى ، ويناظرنى الوزير والمحسّن والكتاب بحضرة القضاة والفقهاء والقوّاد ، فإن وجب علىّ شئ خرجت منه بعد أن أومن على نفسي ، وأمكّن من استيفاء حججي . ويمنع المحسن من مقابلتى على المكاره التي أوقعتها به في طاعة أمير المؤمنين ، فإنه شابّ وبسط يده على مثلي - ممن بلغ إلى مثل سنى ووجب له من الحرمة ما وجب لي - غير لائق بعادات أمير المؤمنين . فأراه مفلح أنه يفعل ، ودخل إلى المقتدر فأورد عليه ضد ما قاله ، وتكلمت السيدة في أمر حامد وأجابته إلى سؤاله . فقال مفلح : متى فعل ذلك لم يتم لابن الفرات أمر مع الأراجيف الواقعة به . فقال له المقتدر باللّه : صدقت . وأمره بأن يتقدم إلى نصر بإنفاذ حامد إلى ابن الفرات ، فخرج إليه وعرّفه ما رسم له . فاستدعى حامد من نصر ثيابا يغيّر بها ما عليه ، فامتنع مفلح من الإذن له في ذلك . وقال : قد أمرني مولانا بإنفاذه على زيّه الذي حضر فيه . فلم يزل نصر يشفع له إلى أن أذن في تغييره . وأنفذه مع ابن الزّنداق « 3 » الحاجب .
--> ( 1 ) تجارب الأمم 5 / 96 . ( 2 ) تجارب الأمم أيضا . ( 3 ) في تجارب الأمم 5 / 97 ابن رنداق « براء مهملة » .